ابراهيم بن عمر البقاعي
55
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تاب » « 1 » متفق عليه عن أنس رضي اللّه عنه ، وهكذا حال من أتبع نفسه هواها ، وأما المقبل على الذكر بكليته فهو قانع راض بما هو فيه ، مستكثر من ذكر اللّه الشارح للصدور الجالي للقلوب فهو أوسع سعة ، فلا تغتر بالصور وانظر إلى المعاني . ولما ذكر حاله في الدنيا ، أتبعه قوله : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * وكان ذلك في بعض أوقات ذلك اليوم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إذا خرج من القبر خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي ، أو يكون ذلك - وهو أقرب مفهوم العبارة - في بعض أهل الضلال ليجتمع مع قوله أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] وحديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما في الصحيح من هذا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : الظلم ظلمات يوم القيامة « 2 » . ثم استأنف قوله : قالَ مذكرا بالنعمة السابقة استعطافا لأن من شأن مسلف نعمة أن يربيها وإن قصر المنعم عليه ، وغاية ذلك إنما يكون مهما بقي للصلح موضع : رَبِّ أي أيها المحسن إليّ المسبغ نعمه عليّ لِمَ حَشَرْتَنِي في هذا اليوم أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ أي في الدنيا ، أو في أول هذا اليوم بَصِيراً * فكأنه قيل : بم أجيب ؟ فقيل : قالَ له ربه : كَذلِكَ أي مثل هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا ، والمعنى : مثل ما قلت كان ؛ ثم فسر على الأول ، وعلل على الثاني ، فقال : أَتَتْكَ آياتُنا على عظمتها التي هي من عظمتنا فَنَسِيتَها أي فعاملتها بإعراضك عنها معاملة المنسي الذي لا يبصره صاحبه ، فقد جعلت نفسك أعمى البصر والبصيرة عنها ، كما قال تعالى : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [ الكهف : 101 ] وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك النسيان الفظيع ، وقدم الظرف ليسد سوقه للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال : الْيَوْمَ تُنْسى * أي تترك على ما أنت عليه بالعمى والشقاء بالنار ، فتكون كالشئ الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت إليه وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الجزاء الشديد نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ في متابعة هواه فتكبر عن متابعة أوامرنا وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ فكفر إحسانه إما بالتكذيب وإما بفعله فعل المكذب . ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذبا بالضنك ، وذكر بعض ما له في الآخرة ، قال مقسما لما له من التكذيب : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ بأيّ نوع كان أَشَدُّ من عذاب الدنيا وَأَبْقى * منه ، فإن الدنيا دار زوال ، وموضع قلعة وارتحال .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6439 مسلم 1048 والترمذي 2337 عن أنس . ( 2 ) أخرجه أحمد 2 / 137 والبخاري 2447 والترمذي عن ابن عمر .